تحليل غربي: حرب إيران تنزلق لاستنزاف طويل على غرار أوكرانيا

عربي ودولي

06:22 - 2026-03-27
تكبير الخط
تصغير الخط

اليوم الأخبارية - متابعة

حذّر تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، من أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لم تعد تسير في اتجاه "الضربة الحاسمة".
وبحسب التحليل، فإن الحرب "تنزلق تدريجيًا نحو نمط استنزاف طويل الأمد يشبه إلى حد كبير الحرب الروسية في أوكرانيا، مع ما يحمله ذلك من مخاطر استراتيجية تتجاوز ساحة القتال إلى الاقتصاد والتحالفات الدولية".
وذكر التحليل أن "إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخلت الحرب على أساس افتراض أن تكثيف الضربات الجوية واستهداف القيادات والبنية العسكرية سيؤديان إلى إضعاف سريع للنظام الإيراني، ويفرضان واقعًا جديدًا يُجبر طهران على التراجع أو القبول بشروط سياسية جديدة".
استند هذا التصور إلى نمط عمليات اعتمدته واشنطن في السنوات الأخيرة، يقوم على "الضربة القاصمة" بدلًا من الانخراط في حروب طويلة، كما في محاولات الضغط على نيكولاس مادورو في فنزويلا.
إلا أن الحالة الإيرانية كشفت حدود هذا النموذج، إذ إن طهران، بخلاف كراكاس، تمتلك أدوات ردع إقليمية وقدرة على إطالة أمد الصراع.
تحول جذري
ويشير التقرير، إلى أن أحد أبرز التحولات في مسار الحرب يتمثل في انتقالها من محاولة "كسر النظام" إلى حالة جمود عملياتي. فالقوة الجوية الأمريكية-الإسرائيلية نجحت في إلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكنها لم تتمكن من شل قدرة طهران على الرد.
فإيران ما تزال قادرة على إطلاق موجات متقطعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ليس بهدف تحقيق تفوق عسكري مباشر، بل لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي لدى خصومها، ورفع الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب.
وفي الوقت ذاته، تمكنت من تعطيل جزء كبير من تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما حوّل الصراع إلى أزمة عالمية في أسواق النفط وسلاسل الإمداد.
ويعكس هذا النمط، بحسب التحليل، منطقًا مألوفًا في الحروب غير المتكافئة: إذ يعوّض الطرف الأضعف عسكريًا ذلك بقدرته على إطالة أمد الصراع ورفع كلفته.
النموذج الأوكراني
تلفت المجلة إلى أن أوجه التشابه مع الحرب في أوكرانيا لا تقتصر على الجمود العسكري، بل تمتد إلى طبيعة الصراع نفسه. ففي الحالتين، راهن الطرف المهاجم على ضربة سريعة تُسقط الخصم أو تُجبره على التراجع، لكن النتيجة كانت حرب استنزاف مفتوحة.
وكما وجدت موسكو نفسها غير قادرة على تحقيق نصر حاسم رغم تفوقها العسكري، تواجه واشنطن معضلة مشابهة: إذ لا توجد آلية واضحة لترجمة التفوق الجوي إلى نتيجة سياسية نهائية.
وتؤكد المجلة أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط عبر السيطرة على الأرض أو تدمير القدرات العسكرية، بل عبر القدرة على الصمود الاقتصادي والسياسي، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية والتحالفات الدولية.
قيود الحسم العسكري
ويرى التحليل، أن الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة لكسر حالة الجمود محدودة. فاللجوء إلى عمليات برية واسعة يبدو مستبعدًا، ليس فقط بسبب الكلفة السياسية داخليًا، بل أيضًا بسبب التعقيدات الجغرافية لإيران، التي تجعل أي تدخل بري أكثر صعوبة مقارنة بتجارب سابقة مثل العراق.
كما أن غياب قواعد انطلاق برية قريبة، واتساع الأراضي الإيرانية، وكثافة السكان، كلها عوامل تقلّص احتمالات نجاح أي سيناريو حسم عسكري تقليدي.
في المقابل، أثبتت القوة الجوية، كما في أوكرانيا، أنها أداة فعالة للضغط، لكنها نادرًا ما تكون حاسمة بمفردها.
ويبرز التحليل مفهومًا مركزيًا في الاستراتيجية الإيرانية، وهو "حرب الألم"، التي لا تستهدف الانتصار العسكري المباشر، بل رفع كلفة الحرب على الخصوم ويتجلى ذلك في استهداف البنية الاقتصادية غير المباشرة، عبر تعطيل التجارة ورفع أسعار الطاقة، والضغط على شركاء واشنطن في الخليج.
ولا يقتصر تأثير هذا النهج على المنطقة، بل يمتد إلى أوروبا وآسيا، حيث بدأت تداعيات الحرب تظهر في شكل ارتفاع تكاليف الطاقة واضطرابات الإمدادات. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تآكل الدعم الدولي للولايات المتحدة، وهو عامل حاسم في مثل هذه النزاعات.
ويحذر التحليل من أن تجاهل هذه الدينامية قد يدفع بعض الحلفاء إلى إعادة النظر في تعاونهم العسكري أو تقليص انخراطهم، خصوصًا إذا تحولت الحرب إلى عبء اقتصادي طويل الأمد.
الأهداف والمخرج
من أبرز نقاط الضعف التي يسلط عليها التحليل الضوء غياب تعريف واضح لما يشكّل "النصر". فكما في الحالة الروسية في أوكرانيا، تسعى واشنطن إلى أهداف واسعة، مثل تغيير سلوك إيران أو تقليص نفوذها الإقليمي، دون تحديد دقيق لما يكفي لتحقيق هذه الغاية.
هذا الغموض، بحسب المجلة، ينشئ ميلًا مستمرًا نحو التصعيد، حيث يصبح كل إنجاز عسكري غير كافٍ، ما يطيل أمد الحرب ويزيد كلفتها.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى التحليل أن تجنب الانزلاق إلى "مستنقع استراتيجي" يتطلب تحولًا في المقاربة، من السعي إلى الحسم العسكري إلى البحث عن تسوية سياسية.
وقد يشمل ذلك وقفًا لإطلاق النار مقابل قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك تقليص دائم لقدرات التخصيب، ونقل المخزون عالي التخصيب، وفرض حدود على الترسانة الصاروخية.
ورغم أن مثل هذه التسوية لن تقضي بالكامل على التهديد الإيراني، فإنها قد تحقق هدفًا أكثر واقعية يتمثل في احتواء المخاطر بدلًا من محاولة القضاء عليها بالكامل.
كلفة الاستمرار
ويخلص التحليل إلى أن البدائل المتاحة أمام واشنطن، سواء الاستمرار في حرب استنزاف مفتوحة أو السعي إلى تغيير النظام، تنطوي على مخاطر أعلى بكثير من خيار التسوية.
فالحروب الطويلة، كما تظهر تجربة أوكرانيا، لا تستنزف الجيوش فقط، بل الاقتصادات والتحالفات والقدرة السياسية على الاستمرار. ومع مرور الوقت، تصبح كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التنازل.
في هذا السياق، ترى المجلة أن القبول بنتيجة أقل من "النصر الكامل" لا يعني الهزيمة، بل قد يكون الخيار الأكثر اتساقًا مع أهداف الاستقرار الإقليمي والحفاظ على النفوذ الأمريكي.

أخبار ذات صلة