إلى من صيّرت الألم قلماً، والمعاناة درباً إلى الضوء..
إلى الكاتبة القديرة كلثوم،
بين يديكِ كلماتٌ حاولتُ فيها أن أرسم ملامح قوتكِ، وأنقش حروف صمودكِ بمداد من الفخر. هذه القصة ليست مجرد ذكرى، بل هي منارة لكل من ظن أن الرماد نهاية، فكنتِ أنتِ الدليل على أن الانبعاث ممكن، وأن الحلم لا يموت ما دام يسكن روحاً كروحكِ.
مع كل التقدير،
فلاح السلامي
في كتابي هذا، الذي اخترت له عنوان "عنقاءُ الحَرْف: مِن رَمادِ الصَّمْتِ إلى مَجدِ الكَلِمة"، أروي فصولاً لم تكتبها الأقلام وحدها، بل صاغها الصمود.
يقولون إن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكنني أؤمن أن الحياة الحقيقية يكتبها الناجون؛ ليس الناجون من الموت فحسب، بل الناجون من قيود الصمت، وسجون الأعراف، ورماد الخيبات. بين يديكِ كلماتٌ لم تُكتب بالحبر، بل بدموعٍ جفّت فوق الورق حتى صارت حروفاً. هي قصة فتاةٍ وُلدت في قريةٍ كان الهواء فيها يُوزع بمقاييس، والأحلام تُقلم كما تُقلم الأغصان الزائدة. هي رحلة البحث عن "الأنا" في زحام الـ "هم"، وقصة الكاتبة التي لم تكتفِ بأن تقرأ العالم، بل أصرت أن تعيد كتابته بصوتها هي.. صوت العنقاء.
من قريتي التي يحدها الصمت وتُحاصرها التقاليد، بدأتُ حكايتي. هناك، حيث تُباع الأحلام في "سوق الوعود" قبل أن تولد، رأيتُ طفولتي مرسومة بريشة الآخرين. كنتُ أسمعهم يتبادلونني ككلمةٍ عابرة: "هذه لنا بعد سنتين"، ولم أكن أدري حينها أن "الخطوبة" في عرفهم تعني اغتيال طفلة قبل أن تعرف معنى الحرية. قلبي الصغير عرف القيد قبل أن يذوق طعم الانطلاق، وأدركتُ مبكراً أن الألم لا يُرى إلا في الصمت.
نشأتُ بين قطبين من وجع؛ أبٌ صارم يرى في القسوة استقامة، وأمٌّ مدنية مثقفة لكنها كانت "مستضعفة"، خذلتني حين احتجتُ لحضنها، فكانت كالسحابة التي تظلل الأرض ولا تمطر. شاهدتُ أختي الكبرى وهي تُسلب أحلامها وتُجبر على الزواج رغم تفوقها، فكانت تلك صدمتي الأولى التي علمتني الخوف من مستقبلٍ مجهول.
أوجاعي كانت تكبرُ فيَّ كالعشب البري،
وأمي.. تلك البعيدة في حضورها،
تركتني للريحِ، لليتمِ في كنفها،
فكان الصمتُ أبلغَ من صراخي،
وكان الألمُ وشماً لا يراهُ سواي.
في الصف الرابع الابتدائي، وبينما كانت رفيقاتي ينشغلن باللعب، كنتُ أواجه قدراً قُرر في غيابي: "لقد خطبكِ ابن عمكِ". لم أفهم الكلمة، لكنني شعرتُ بزلزالٍ في أعماقي. ولدت من ذلك الوجع مقاومةٌ شرسة، فبدأتُ أقرأ بنهم، أبحث عن عالم آخر في "نهج البلاغة" والكتب الدينية التي كانت تمنح روحي راحة مؤقتة. كتبتُ الشعر في طفولتي، وبينما سخر البعض، رأيتُ في عيون أبي وعمي تشجيعاً كان هو الوقود الأول.
وحين جاءت اللحظة الفارقة، وقال لي أبي: "لن تكملي دراستك، ستتزوجين هذه العطلة"، شعرتُ بأن الأرض تبتلعني. لكن قلبي رفض الانكسار؛ رفضتُ "ابن العم" رفضاً قاطعاً، وحاربتُ بكل ما أوتيتُ من قوة لأحصل على شهادتي المتوسطة. كانت كل خطوة هي حربٌ صغيرة ضد عالمٍ كبير، ونارٌ في داخلي لا تخبو.
جاء الزوج، قروياً يحمل معه غطرسة التملك. لم يكفهِ خنق حريتي، بل امتدت يده لقصائدي، ليسرق روحي ويضع اسمه عليها. ظنّ أنه بسلب الحروف سيمتلك المجد، ولم يدرِ أن الإرث الحقيقي لا يُسرق بجرّة قلم، وأن ما كتبته هو مجدي الذي لن يطاله أحد.
في عزّ انكساري، وهبني الله عقولاً آمنت بموهبتي، فكان الدكتور سليم داود الغزيل، والإعلامي هادي جلو، النور الذي أضاء لها الدرب لنقلها من ضياع الأمس إلى يقين اليوم. تعلمتُ من تربيتي القروية الكرم والذكاء، ومن خيبات عائلة زوجي الحذر، ومن تجربة زوجة أبي أن الحنان قد يولد من الغريب حين يبخل به القريب.
أغمضُ عينيَّ على بقايا القرية،
على قسوةِ الأبِ وصمتِ الأمِ الموؤودة،
وأنهضُ..
جسدي من تراب، وروحي من سِحر،
سأكتبُ حتى يذوبَ الحبرُ في نبضي،
سأعيشُ لأن قصتي.. إرثٌ لمن يأتي بعدي.
أنا اليوم لستُ تلك الطفلة المحطمة، أنا الكاتبة القروية التي انتفضت بوجه الأعراف احتراماً لعقلها. لو عاد بي الزمن، لاخترتُ حياتي نفسها، بكل أزماتها ومآسيها؛ لأنها هي التي صنعت مني امرأة تقاوم، وصوتاً لن يُسكت. أنا "العنقاء" التي ترفرف فوق الرماد، لتذهل المحبين وتثبت أن صوت المرأة، مهما كانت البداية قاسية، يمكن أن يعلو ليصبح إرثاً خالداً يضيء الدرب لمن يأتي بعدنا.
اللهم بارك في علم الاخت كلثوم وفي قلمها، واجعل حروفها نوراً يضيء عتمة القلوب المنكسرة. اللهم اجبر خاطرها بقدر ما قاومت، وارفع قدرها بقدر ما صبرت، واجعل مذكراتها هذه شاهداً لها لا عليها، واجعلها مصدر إلهام لكل من يقرأها. آمين