حملةُ الأنفال: ذاكرةُ الجريمةِ وغيابُ العدالةِ

حسام الحاج حسين

قبل 2 اسابیع
تكبير الخط
تصغير الخط

حملةُ الأنفال: ذاكرةُ الجريمةِ وغيابُ العدالةِ

في عامِ 1992، وبعدَ حربِ الخليجِ الثانية، أرسلت منظمةُ «هيومن رايتس ووتش» فريقًا من الباحثين إلى شماليِّ العراق. وقد قام الفريقُ، على مدى عدةِ أشهرٍ، بتحرّياتٍ وتحقيقاتٍ شاملة. قابل أعضاءُ المنظمة حوالي 350 شخصًا ممّن نجَوا من حملةِ «الأنفال»، ومن شهودِ الحملة، وقاموا بتحليلِ التربةِ في مناطق استُخدمت فيها الأسلحةُ الكيماوية. ولأغراضِ الحفظِ والتحليل، سُلِّمَت لـ«هيومن رايتس ووتش» 18 طنًّا من الوثائقِ الأمنيةِ العراقية التي استولت عليها القواتُ الكردية حينما غادرت قواتُ الأمنِ الحكوميةُ المنطقة. وعلى أساسِ البحثِ الميداني وتحليلِ الوثائق، خلصت «هيومن رايتس ووتش» إلى أن «الأنفال» تُشكّل جريمةَ إبادةٍ جماعية.
منذُ اللحظةِ الأولى التي تولّى فيها البعثيون السلطةَ عامَ 1968، اضطهدوا الأشخاصَ الذين لم يعتقدوا في جدارتهم كأعضاءَ في المجتمعِ القوميِّ العراقي، وأبرزُهم الأكراد، وربما بعضُ الشيعة.
وأصدر البعثيون قوانينَ تُكرّسُ للتمييزِ ضدَّ الأكراد وسلبِ حقوقِهم؛ كما حُظِر عليهم تولّي وظائفَ معيّنةٍ في عمليةٍ ممنهجةٍ تهدف إلى التهميشِ والإبادةِ والتحضيرِ لها. ومن أبرزِ هذه الجرائم التي وقعت ضدَّ الأكراد، ما حدث عامَ 1988، وهي جريمةُ «الأنفال»، وكانت مثالًا للإبادةِ الجماعية، التي تعني قتلَ مجموعةٍ كبيرةٍ من البشر، عادةً بسبب انتمائهم لجنسيةٍ أو عِرقٍ أو دينٍ معيّن.
ادّعت الحكومةُ العراقية أن الأكرادَ ساندوا إيران في الحربِ الإيرانية–العراقية، ولكن حتى لو كان ذلك صحيحًا، فهو لا يبرّر حجمَ القتلِ في المناطقِ المحظورة، وعلى الأخصِّ قتلَ النساءِ والأطفالِ والرجالِ الذين لم يشاركوا في أعمالِ الحرب. لقد قُتلوا لأنهم كانوا أكرادًا، ليس إلّا. قامت الحكومةُ العراقية، وعن طريق أشخاصٍ مجرمين، بتنفيذِ الإبادةِ الوحشية. وتم توجيهُ الاتهامِ إلى القياداتِ البعثية التي كانت تتولّى مناصبَ رئيسيةً إبّان حملةِ الأنفال، وهم:
علي حسن المجيد، أمينُ سرِّ مكتبِ الشمال لحزبِ البعثِ العربيِّ الاشتراكي، الذي كان مخوّلًا بصلاحياتٍ خاصةً تعادل صلاحياتِ صدام حسين.
الفريق سلطان هاشم أحمد، القائدُ العسكريُّ للحملة.
صابر عبد العزيز الدوري، رئيسُ الاستخباراتِ العسكرية آنذاك.
اللواء حسين رشيد التكريتي، نائبُ قائدِ العملياتِ في القواتِ المسلحةِ العراقية.
طاهر توفيق العاني، محافظُ الموصل.
فرحان مطلق الجبوري، مسؤولُ الاستخباراتِ العسكرية في شماليِّ العراق.
هذا بالنسبةِ للقياداتِ البعثيةِ الحاكمة، لكن كان هناك نوعٌ آخر من المشاركين في ارتكابِ هذه الإبادة، وهم بعضُ الأكراد ضمن ما عُرف بـ«أفواج الدفاع الوطني» (الجحوش). ويبدو أن الصورةَ تحتاج إلى بعضِ التوضيح؛ إذ كانت هذه الأفواج عبارةً عن ميليشياتٍ كرديةٍ محليةٍ جنّدها النظامُ من أجل ملاحقةِ المعارضين، وغالبًا ما كانت تعمل تحت إشرافِ الجيشِ والأجهزةِ الأمنيةِ والاستخبارية. وقد شارك بعضُ قادتها وأفرادها في أدوارٍ مختلفةٍ أثناء عملياتِ الأنفال، مثل الدلالةِ على القرى والمناطقِ الجبلية، أو مرافقةِ القواتِ الحكومية، أو حراسةِ المعتقلين.
لكنّ البعضَ يرى أن دوافعَ انضمامِ هؤلاء لم تكن واحدة؛ فبعضُهم كان تحت الإكراهِ أو الضغط، وبعضُهم بدافعِ البقاءِ أو المصالحِ الشخصية، وآخرون بسببِ خلافاتٍ سياسيةٍ مع الأحزابِ الكرديةِ المعارضة. والمؤسفُ أن بعضَ هؤلاء أفلتوا من العقابِ بطريقةٍ أو بأخرى، وما يزال بعضُهم يتمتّع بامتيازاتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ في إقليمِ كردستان.
إنّ التعاملَ داخل المجتمعِ الكردي مع من شاركوا في عملياتِ الأنفال كان معقّدًا جدًا، ولا يستطيع أحدٌ وضعَه في سلةٍ واحدة؛ إذ فرض الواقعُ عديدًا من الخيارات، منها التعايشُ القسري، والبراغماتية، والمصالحاتُ المحلية، والتسوياتُ العشائرية، إضافةً إلى التمييزِ بين الدرجات. كما لم ينظر المجتمعُ الكردي إلى الجميع بالطريقةِ نفسها، وكان للأحزابِ الكرديةِ دورٌ بارزٌ في تطبيعِ هذا الملف من خلال استيعابِ بعضِ هؤلاء ضمن هياكلَ سياسيةٍ أو أمنية، وكان الهدفُ أحيانًا تثبيتَ الاستقرار بدل فتحِ ملفاتٍ قديمةٍ قد تُفجّر نزاعات، بحسب ما يرى بعضُ المسؤولين في الإقليم.
لم تحدث مصالحةٌ شاملةٌ حقيقية؛ ما حصل هو خليطٌ من الرفضِ والتعايشِ وتسوياتٍ محدودةٍ فرضها الواقع. لذلك يبقى هذا الملف، اجتماعيًا ونفسيًا، مفتوحًا إلى اليوم، حيث لم يأخذِ الضحيةُ حقوقَه، ولم يُقدَّمِ المجرمُ إلى العدالة.
فمَن الذي يملك حقَّ المصالحةِ والتنازلِ عن حقوقِ الشعبِ الكردي لأغراضٍ سياسيةٍ قذرة؟ وهل يستطيع أحدٌ أن يهبَ ما لا يملك؟

حسام الحاج حسين
مديرُ مركزِ الذاكرةِ الفيلية

المزيد من مقالات الكاتب