اليوم الأخبارية - بغداد
أكد رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، اليوم الثلاثاء، في مقال له بصحيفة الشرق الأوسط أن حفظ أمن العراق واستقراره مسؤولية وأمانة نتحملها تجاه شعبنا، فيما بين أن العلاقات العراقية - السعودية تكتسب أهمية استراتيجية خاصة بالنظر إلى الثقل السياسي والاقتصادي للبلدين.
أدناه نص المقال:
عندما وقفت في يوم السيادة أتابع صنوف قواتنا المسلحة وتشكيلاتنا الأمنية، استحضرت عِظَم المسؤولية والأمانة التي نتحملها تجاه شعب العراق في حفظ أمنه واستقراره. لقد كانت لحظة تُجسّد مسيرة وطن يعمل على تعزيز مؤسسات الدولة واستعادة دوره، كما ذكّرتني بأن السيادة ليست مجرد مناسبة للاحتفال، بل هي مسؤولية يومية تتعلق بكيفية إدارة الدولة لشؤونها، وحماية مصالح شعبها، وإدارة علاقاتها مع محيطها الإقليمي والعالم الأوسع بحكمة.
إن السيادة، بمفهوم الدولة الحديثة، لا تعني امتلاك أدوات القوة التقليدية فحسب، بل تعني أيضاً القدرة على بناء علاقات خارجية فاعلة. لذا، فالعراق يحتاج إلى نهج يقوم على الدبلوماسية المرنة والاقتصاد المرن.
وفي هذا السياق، تكتسب العلاقات العراقية - السعودية أهمية استراتيجية خاصة، بالنظر إلى الثقل السياسي والاقتصادي للبلدين، وما يجمعهما من روابط عربية ومصالح جغرافية واقتصادية وأمنية مشتركة. وقد أحرز البلدان تقدماً ملموساً في إعادة بناء الثقة وفتح قنوات التعاون، الأمر الذي يوفر أساساً يمكن البناء عليه للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً في العلاقات الثنائية.
إن أمن العراق واستقرار المملكة العربية السعودية ليسا مسألتين منفصلتين، بل يشكلان جزءاً من معادلة أوسع لأمن الخليج واستقرار المنطقة.
وتتطلب هذه الرؤية دبلوماسية مرنة، تقوم على مبدأ السيادة المتبادلة واحترام حق كل دولة في اتخاذ قراراتها وفقاً لمصالحها الوطنية. فالعراق يحترم سيادة الدول الأخرى، مثلما يطالب باحترام سيادته. كما أن موقع العراق الجغرافي وتنوع علاقاته الإقليمية والدولية يتيحان له فرصة أداء دور جسر للتواصل ونقطة التقاء للحوار، بدلاً من أن يكون ساحة للتنافس والصراع أو منطلقاً لتهديد دول الجوار.
ويمكن للعراق أن يؤدي دور الوسيط الذي يربط بين القوى الإقليمية من خلال الحوار، ويتطلب ذلك نهجاً متوازناً في العلاقات، يقوم على تجنب الاصطفاف ضمن المحاور الإقليمية المتنافسة، واعتماد سياسة تحييد العراق عن الصراعات.
ألحقت الاضطرابات الحادة التي شهدتها الأسواق وحركة التجارة وإمدادات الطاقة، نتيجة إغلاق مضيق هرمز، أضراراً باقتصادات المنطقة، وأكدت ضرورة تنويع المسارات التجارية، بما يحول دون ارتهانها لمسار واحد أو ظرف استثنائي بعينه.
ولهذا، فإن العراق بحاجة إلى اقتصاد أكثر مرونة، يقوم على تنويع مصادر الدخل، وتوسيع منافذ التجارة، وتطوير النقل والبنى التحتية، وتعزيز الصناعة والزراعة، وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار. ويمثل مشروع طريق التنمية، إلى جانب الربط التجاري والنقل مع دول الخليج، فرصة مهمة لتوسيع الدور الاقتصادي للعراق وربطه بالأسواق الإقليمية والدولية.
ويبقى استقرار العراق أساساً لنجاح أي شراكة. فالاستثمار يحتاج إلى دولة مستقرة، وقوانين واضحة، ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتنفيذ العقود. ولذلك، فإن مكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز سيادة القانون، ليست إصلاحات داخلية فقط، بل هي شروط ضرورية لجذب الاستثمارات وتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، يستطيع العراق والمملكة العربية السعودية تأسيس مرحلة جديدة من التقارب نحو الشراكة والتخطيط المشترك. ومن شأن استقرار العلاقة بين بغداد والرياض أن يشكّل ركيزة أساسية لتحقيق استقرار أوسع وتكامل أكبر في الخليج والمنطقة.