«تتمثل محنة الكاتب المعاصر أيضاً في وسائل الإعلام الحديثة؛ فالكاتب مطالبٌ بأن تكون له قيمٌ يدافع عنها، فالأمانة مع النفس، والإخلاص للمجتمع، والشعور بالمسؤولية، كلها أمورٌ مسلّم بها بالنسبة للكاتب. والتزام الكاتب بهذه القيم ودفاعه عنها بعمله وقوله أمرٌ ضروري، وهنا يبرز جانب آخر من محنة الكاتب المعاصر.
فالكلمة المكتوبة لم تعد الوسيلة الوحيدة التي تبلغ الجمهور، وإنما تزاحمها في ذلك كل وسائل الإعلام الأخرى، بل وتحدّها. وليست وسائل الإعلام وحدها هي التي تهدد الكلمة المكتوبة، فحتى المطبعة نفسها تشارك في هذا التهديد. وعلى الإجمال، يمكن القول إن العصر الصناعي والتكنولوجي، وعوامل السرعة والإيجاز والتسلية، كلها تشكل خطراً حقيقياً على مهمة الكاتب الأصلية، وتعرضه لهزات ومواقف نفسية عنيفة، يصطدم فيها الواجب الذي يحس به تجاه نفسه بالضرورة الماثلة.
والغريب أن الصحافة، وإن استمدت صناعتها من الكلمة، إلا أن "الحرفية" قد صارت تسبق الكلمة، وصار الكاتب الصحفي بذلك خاضعاً لمواضع الحرفية قبل كل شيء. وأمام هذه الوسائل الإعلامية المستحدثة، تدهور الكتاب وتدهورت معه القراءة، ولم يعد الكتاب وسيلة الإبلاغ الأولى؛ فقد كفَّ الناس عن القراءة مكتفين بالخبر العابر في الإذاعة، والخطوط السريعة في الصحيفة، والصور الخاطفة في المحطات الفضائية. لقد تدربت حواسهم على تلقي المادة السريعة، حتى صار الانقطاع لقراءة كتاب يحتاج إلى تكيفٍ قلما تسمح به ظروف الحياة المعجلة،
هذا "التدهور" الذي ذكرته حوّل القراءة من فعل تأملي إلى فعل "استهلاكي" سريع.