هناك فراغات لا يملؤها أحد وأصوات إذا غابت ظل صداها يسكن القلب طويلا وغياب ابي من تلك الأشياء التي لا تعوض فهو ليس مجرد شخص عبرت معه سنوات العمر إنما هو السند الذي استندت إليه دون أن اشعر والظل الذي احتميت به والدعاء الصادق الذي رافقني في تفاصيل الحياة وحينما رحل ابي لم يرحل وحده إنما اخذت الايام معها شيئا من الطمأنينة ، شيئا من ذلك الإحساس الخفي بالأمان ويصبح الاشتياق له حالة دائمة تظهر فجأة في موقف عابر أو من كلمة سمعتها أو من مكان كان يجلس فيه أو دعوة كنت ننتظرها منه .
أشتاق لأبي حين تضيق بي الدنيا وحين تتكاثر الأسئلة ولا أجد من يجيبني بذلك اليقين الذي كان في صوته - أشتاق إليه حين أنجح لأن أول من كان يستحق أن يفرح هو وحين أتعب لأن أول من كان يربت على قلبي هو ! فالاشتياق إلى ابي يعتبر صمت طويل لا يفهمه أي احدا وابتسامة ناقصة وفرح لا يكتمل كأن في القلب مكانا لا يقبل أحدا بعده ولا يرضى ببديل ولكن احاول أن اقنع نفسي أن الحياة تمضي لكنها تمضي ببطء وحين نفتقد من كان يسرع خطاي نحو الطمأنينة .
كبرت يا أبي لكنني لم اكبر عن حاجتي إليك وما زلت أبحث عنك في وجوه الأيام وفي تفاصيل تشبهك وفي كلمات ارددها كما كنت تقولها وفي دعاء لا ينقطع بأن تكون في أكرم منزلة ، تركت في داخلي أثرا لا يمحى ومسؤولية أن أحمل أسمك بكل فخر وأن أكون كما تمنيت لي دائما - رحمك الله يا أبي وجعل ذكرك حياة في قلبي وجمعني بك في جنات لا فراق بعدها .