حين يتحول “السكن” إلى حلم لضابط خدم الوطن

المهندس مصطفى الفعل

قبل 2 اسابیع
تكبير الخط
تصغير الخط

مؤلم جداً أن ارى تظاهرة لضباطٍ عراقيين يطالبون بقطع أراضٍ سكنية...

ليس لأن مطلبهم غير مشروع، بل لأن حجم التراجع في مفهوم “الحق الطبيعي” أصبح مخيفاً.

كيف وصلنا إلى مرحلةٍ يقف فيها ضابطٌ أفنى عمره في خدمة الوطن، وحمل روحه على كفه لسنوات، ليطالب فقط بقطعة أرض؟
كيف أصبح الحلم بهذه البساطة… وبهذا الوجع؟

المؤلم أكثر، أنني رأيت هذا الواقع بعيني منذ سنوات.
رأيت ضباطاً برتبٍ كبيرة، بعضهم برتبة عميد، ولا يملكون منزلاً يؤوي عائلاتهم.
رجال خدموا الدولة… بينما الدولة لم تستطع أن تمنحهم أبسط مقومات الاستقرار.

ومن هنا بدأت الفكرة…
بل بدأت المعركة.

حين قررت أن أدخل إلى قطاع الإسكان، لم يكن الأمر مشروعاً تجارياً بالنسبة لي، بل كان صرخة بوجه الظلم الحقيقي الذي يعيشه المواطن العراقي.
كنت أرى أن أزمة السكن ليست أزمة مستحيلة، بل أزمة إدارة وإرادة وقيادة.

العراق ليس بلداً فقيراً.
العراق يمتلك الأرض، والموارد، والمواد الأولية، والطاقة البشرية، وكل ما تحتاجه أي نهضة عمرانية حقيقية.
وفي البناء تحديداً… كل شيء تقريباً يخرج من هذه الأرض.

لكن المشكلة لم تكن يوماً في الإمكانيات…
بل في غياب الرؤية.

غياب من يشعر بوجع الناس.
غياب من يفكر كيف يحوّل الدولة من دولة أزمات إلى دولة حلول.
غياب القيادة التي تمتلك الجرأة لتواجه جذور المشكلة… لا أن تكتفي بالمسكنات والوعود المؤقتة.

أنا لا أؤمن أن المواطن العراقي يجب أن يقضي عمره وهو يركض خلف قطعة أرض، أو قرضٍ مرهق، أو إيجار يستنزف كرامته.
الطبيعي في أي دولة تحترم شعبها، أن يمتلك كل مواطن فرصة حقيقية للحصول على وحدة سكنية محترمة، بأسعار عادلة، وأقساط تناسب دخله، مهما كانت طبقته الاجتماعية.

السكن ليس رفاهية…
السكن استقرار.
والاستقرار أساس الأمن، والتعليم، والأسرة، والانتماء، وحتى الاقتصاد.

ولهذا كنت دائماً أقول:
إن بناء المدن ليس مجرد إسمنت وحديد…
بل بناء كرامة وحياة ومستقبل.

ما يؤلمني اليوم ليس فقط مشهد الضباط وهم يطالبون بحقهم…
بل أن العراقي بات يطالب بأبسط حقوقه وكأنه يطلب امتيازاً.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

العراق لا يحتاج معجزات.
العراق يحتاج رجال دولة يشعرون بالمواطن قبل الكاميرات، ويفكرون بالمستقبل قبل الانتخابات، ويملكون مشروعاً حقيقياً لا شعارات.

وحين توجد القيادة الصحيحة…
فإن أزمة السكن، وغيرها من الأزمات، يمكن أن تنتهي من جذورها… لا أن تبقى جرحاً مفتوحاً في حياة

المزيد من مقالات الكاتب